الاثنين، 10 أكتوبر، 2011

مصر الثورة والتوجه نحو إفريقيا



من المعروف أن مصر لم تكن إلا دولة إفريقية قبل أن تكون عربية الانتماء واللسان. وعليه فإن الارتباط بإفريقيا هو ارتباط تكويني وأصيل بحيث أنه أصبح أحد المكونات المحورية للشخصية المصرية. وإذا كانت مصر تتمتع بمسحة من عبقرية في المكان فإن ذلك قد دفعها منذ القدم إلى أن تتجاوز حدود ومعطيات الجغرافيا لترتبط بجوارها الإقليمي ومجالها الحيوي. وتشير الوثائق والنقوش التي عثر عليها في معبد الدير البحري إلى ارتباط مصر الفرعونية ببلاد بونت التي تقع في الصومال الحالي ومنطقة حوض النيل، وهو الأمر الذي يوضح أن منطقة منابع النيل مثلها في ذلك مثل طرق الملاحة الدولية في المحيط الهندي والبحر الأحمر تعد من أهم المناطق التي تتصل بالمصالح الأمنية والإستراتيجية لمصر من ناحية الجنوب.
وقد كانت المبادئ الحاكمة لتوجهات الدولة المصرية والتي تضبط حركتها الخارجية تستند على طبيعة هذه الخصائص الجيوستراتيجية المرتبطة بموقع مصر ومكانتها الإقليمية والدولية. فالمخاطر والتهديدات القادمة من جهة الشمال الشرقي كانت تستهدف دوماً أمن النظام الحاكم في مصر، أما المخاطر والتهديدات القادمة من الجنوب فإنها استهدفت أمن واستقرار المجتمع، بل إنها ارتبطت بأسباب وجوده واستمراره. وإذا كانت مصر الناصرية قد أكدت على هذا التوجه العام من خلال جعل إفريقيا إحدى دوائر ثلاث مع العربية والإسلامية تحكم سياستها الخارجية فإن التوجه الإفريقي سرعان ما عانى من تقلبات السياسة وتحولات الأيديولوجية على مدى العقود الأربعة الماضية.
ولا يخفى أن عزلة مصر وعزوفها عن القيام بدور فاعل في إفريقيا قد ازدادت في ظل حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك. إذ كانت السمة الأبرز للسياسة المصرية في عهده هي السكون وعدم الميل إلى تغيير الوضع القائم مع الحرص على عدم إثارة غضب كل من الولايات المتحدة وإسرائيل. وتذكر بعض الروايات الموثقة أن الرئيس السوداني عمر البشير بعد تطبيعه العلاقات مع مصر وقيامه بزيارة القاهرة عام 2004 عرض على الرئيس السابق مبارك القيام بزراعة القمح في السودان إلا أن الأخير اعتذر بشيء من الاستهزاء قائلاً: "إنه لا يريد أن يغضب الأمريكان".
إن ثورة 25 يناير التي أطاحت بنظام الاستبداد في مصر قد أحدثت تحولات فارقة في كيفية رؤية مصر لذاتها وللآخرين وهو ما يعني عودة الروح للدور الإقليمي الفاعل لمصر ولاسيما في محيطها الإفريقي. فهل يمكن أن يؤدي ذلك إلى تحطيم الصور النمطية السائدة عن مصر في إفريقيا؟ وكيف يتثنى لمصر الثورة أن تدافع عن أمنها المائي؟ وما العمل لمواجهة تحديات تبني سياسة إفريقية جديدة لمصر في مرحلة ما بعد الثورة؟
إن أحداث الثورة المصرية ولا سيما في رمزيتها التي عبر عنها "ميدان التحرير" قد ألهمت العديد من الكتاب والساسة الأفارقة الذين حرصوا على زيارة القاهرة للتعرف على حقيقة ما يدور. ولعل ما كتبه المفكر الأوغندي الأبرز محمود ممداني بعنوان "تأملات إفريقية حول ميدان التحرير" يعبر عن أهمية الدرس المصري لإفريقيا.
تظهر عملية استقراء المؤشرات الأولية للتحرك المصري الجديد تجاه إفريقيا بعد ثورة 25 يناير/ كانون الثاني أن هناك عودة لما يمكن أن تنطبق عليه ظاهرة "المصريون الجدد" من خلال تحطيم الصور الذهنية والأنماط الجامدة التي ميزت الوجود المصري في إفريقيا خلال العقود الأربعة الماضية. ولعل السمة البارزة لهذا التحول في الحركة المصرية أنه يعبر عن توافق شعبي ورسمي من أجل بناء رؤية إستراتيجية جديدة تجاه إفريقيا.
ويمكن تحديد بعض مكونات الصورة المصرية الجديدة في محيطها الإفريقي والتي أكدت على إحداث قطيعة مع النظام القديم في العناصر الآتية:
أولاً: القيام بتغير أساسي في بنية الجهاز الدبلوماسي المصري بما يؤكد على محورية الدائرة الإفريقية وإعادة الاعتبار إليها مرة أخرى وبصفة خاصة السودان بدولتيه باعتباره ظهيراً استراتيجياً لمصر. فقد تم استحداث منصبين جديدين أحدهما نائب وزير الخارجية للشئون الإفريقية والآخر مساعد وزير الخارجية لشئون السودان. ولعل ذلك يعيد إلى الأذهان اهتمام مصر الناصرية بالملف الإفريقي حيث جعلته تابعاً بشكل مباشر لرئاسة الجمهورية، وكان أشهر من تولي هذا الملف محمد فائق وزير إعلام عبدالناصر ومهندس العلاقات المصرية الإفريقية في ذلك الوقت.
ثانياً: اهتمام الحكومة المصرية الانتقالية برئاسة الدكتور عصام شرف بالتوجه نحو إفريقيا. ولعل أول زيارة خارجية لرئيس وزراء مصري بعد الثورة كانت للسودان في 29 مارس /آذار 2011 حيث تمت زيارة كل من الخرطوم وجوبا. كما قام شرف كذلك بجولة إفريقية في مايو/أيار 2011 شملت كلاً من أثيوبيا وأوغندا. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل أنه شارك في القمة الإفريقية الثلاثية التي عقدت في جنوب إفريقيا يوم 11 يونيو /حزيران 2011 والتي شملت تجمعات "الكوميسا" و"السادك" وشرق إفريقيا بهدف تحقيق الوحدة الاقتصادية الإفريقية. ولا شك أن هذا الحراك الرسمي المصري تجاه إفريقيا لم يكن معهوداً في ظل النظام السابق.
ثالثاُ: إعادة الاعتبار للبعد الشعبي في الحركة المصرية الجديدة تجاه إفريقيا. فقد تألف وفد الدبلوماسية الشعبية المصرية من مختلف التيارات والقوى السياسية المصرية وقام بجولة إفريقية شملت ثلاثا من أهم دول حوض النيل وهي أثيوبيا وأوغندا والسودان. ولعل ذلك التحرك يعكس إدراكا شعبياً متزايداً بأن انحسار الدور المصري وعجزه عن القيام بدوره الاستراتيجي يفسر –ولو جزئياً- أسباب انفصال جنوب السودان من جهة وتمرد دول أعالي النيل على مصر من جهة أخرى. وعليه فإن التوكيد على هذا البعد الشعبي في العلاقة بين مصر ودول حوض النيل إنما يهدف إلى إزالة الشكوك المتبادلة وبناء الثقة بين الجانبين بما يمهد الطريق لإقامة علاقات تعاون على أسس جديدة .
رابعاً: تبني خطاب إعلامي جديد تجاه إفريقيا بما يؤدي إلى تطوير وتعزيز الروابط المشتركة بين الشعب المصري والشعوب الإفريقية. وربما يعيد ذلك إلى الأذهان الدور الذي قامت به الإذاعة المصرية الموجهة منذ عام 1953 في إفريقيا لدرجة دفعت بوزير الاستعلامات البريطاني الأسبق تشارلز هيل Charles Hills إلى القول: "إن إذاعة القاهرة دائمة النشاط حيث تنشر دعايتها ليس فقط باللغة العربية وإنما باللغتين السواحيلية والصومالية". لقد أدت ثورة 25 يناير إلى إعادة طرح الملف الإفريقي في الإعلام المصري مرة أخرى وأحسب أن تخصيص التلفزيون الرسمي برنامجاً بعنوان "هنا إفريقيا" يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح.
وفي مقابل هذا الحراك المصري وتوجهه جنوباً نحو إفريقيا نجد أن أحداث الثورة المصرية ولا سيما في رمزيتها التي عبر عنها "ميدان التحرير" قد ألهمت العديد من الكتاب والساسة الأفارقة الذين حرصوا على زيارة القاهرة للتعرف على حقيقة ما يدور. ولعل ما كتبه المفكر الأوغندي الأبرز محمود ممداني بعنوان "تأملات إفريقية حول ميدان التحرير" يعبر عن أهمية الدرس المصري لإفريقيا. فقد رأى ممداني في "التحرير" قوة توحيد وإدماج تتجاوز الانقسامات الطبقية والعرقية والدينية.
ولم يقتصر الهام الثورة المصرية على فئة الكتاب والمثقفين الأفارقة وإنما شملت الشباب الطامحين في الإصلاح والتغيير بشكل عام. ففي زيمبابوي التي ترزح تحت حكم روبرت موجابي منذ عام 1980 تم إلقاء القبض على مجموعة من الشباب الناشطين سياسياً أثناء مشاهدتهم لشرائط فيديو عن الثورة المصرية وذلك بتهمة الخيانة ومحاولة قلب نظام الحكم.
يبدو أن أخطر التحديات التي تواجه مصر بعد رحيل مبارك تتمثل في أمنها المائي حيث قررت دولة بوروندي في فبراير 2011/شباط  التوقيع على اتفاق التعاون الإطاري لدول حوض النيل والذي يتم التفاوض بشأنه منذ عام 1999. وإذا علمنا أن خمسا من دول أعالي النيل الأخرى وهي كينيا وأثيوبيا وتنزانيا وأوغندا ورواندا كانت قد وقعت من قبل على هذا الاتفاق في مدينة عنتيبي الأوغندية فإن معنى ذلك اكتمال النصاب القانوني له لكي يصبح نافذاً.
وإذا كانت أثيوبيا قد عمدت على استحياء إلى تجميد عملية التصديق على اتفاقية عنتيبي كبادرة حسن نية تجاه الثورة المصرية وإلى حين وجود حكومة منتخبة في مصر فإن ذلك لا يعني نهاية المطاف أو إغلاق ملف الإطار القانوني الحاكم لتوزيع واستغلال موارد مياه نهر النيل بين كافة الدول النهرية. وقد قامت حكومة الثورة في مصر بمحاولات مستمرة لتجاوز أخطاء الماضي في التعامل مع ملف مياه النيل ومن ذلك:
أولاً: التعرف على وفهم التطورات التي شهدتها دول أعالي النيل منذ نهاية فترة الحرب الباردة. فقد ظلت مقولات عدم الاستقرار السياسي وانتشار الصراعات الاثنية في دول حوض النيل هي التي تحكم توجهات السياسة الخارجية المصرية تجاه إفريقيا في عهد مبارك. وأحسب أن ذلك يمثل خطأ استراتيجياً فادحاً. فقد استطاعت أثيوبيا منذ عام 1991 أن ترسخ دعائم قوتها الإقليمية في ظل انهيار الصومال من جهة وانقسام السودان إلى دولتين من جهة أخرى. كما أن كينيا بتوجهاتها البرجماتية تسعى لقيادة تجمع شرق إفريقيا.
وعليه فإن المحاولات المصرية على المستويين الشعبي والرسمي الهادفة إلى إعادة بناء الثقة بين مصر وباقي دول حوض النيل من خلال منظور التعاون المتكامل تمثل بداية حقيقية لمرحلة جديدة تقوم على أساس من المصالح المشتركة وصيغة "المنفعة للجميع" بما يؤدي إلى تجاوز الصيغ الصراعية والصدامية القديمة.
ثانياً: تجاوز المنظور الأمني في التعامل مع قضايا السودان ودول حوض النيل. فمن المعلوم أن ملف السودان تحديداً كان يقع تحت إدارة المخابرات العامة المصرية وليس وزارة الخارجية، ولا شك أن إطلاق يد الأمن المصري في اتخاذ القرارات المتعلقة بالدور المصري في إفريقيا ولا سيما منذ محاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا عام 1995 قد مثلت أهم عوامل تقويض الدور المصري في حوض النيل وإفريقيا عموماً.
وعليه فإن إعادة هيكلة وزارة الخارجية المصرية بما يؤدي إلى إعادة الاعتبار للملف الإفريقي من خلال استحداث مساعدين لوزير الخارجية أحدهما للسودان والآخر للشئون الإفريقية يمثل في حقيقته تجاوزا لأخطاء نظام مبارك السابقة. فضلاً عن أن تبادل الزيارات الرسمية والشعبية بين مصر ودول حوض النيل يسهم في خلق مناخ ايجابي يعزز من بناء صيغ بديلة للتعاون المشترك.
ثالثاً: عودة الروح للعلاقات المصرية الأثيوبية. إذ يمكن النظر إلى زيارة رئيس الوزراء الأثيوبي للقاهرة يومي 17/18 سبتمبر/أيلول 2011 باعتبارها خطوة نحو طي صفحة الماضي في العلاقات بين البلدين وتجاوزا لسلبيات مرحلة مبارك التي جعلت من الصدام والصراع قاعدة للعلاقات بين البلدين. وإذا كانت أثيوبيا وغيرها من دول أعالي النيل قد أقرت بحقها في استغلال مواردها المائية فإن ذلك يعني أن أمن مصر المائي أضحى في خطر. وعلى الرغم من ردود الفعل القوية التي ارتبطت بعملية بناء سد الألفية العظيم في أثيوبيا فإنها اقتصرت على الأقوال وليس الأفعال. وهو ما يعني أن مصر الثورة تظهر ميلا أكبر للتعاون بدرجة تتجاوز ما كلن سائداً في الحقبة الماضية.
ولعل التساؤل المطروح اليوم يتمثل في البدائل المتاحة أمام مصر في مرحلة ما بعد مبارك لتأمين مياه النيل. يمكن تصور بدائل ثلاثة يشكل كل منها سيناريو محتمل الوقوع بدرجة أو بأخرى. يذهب أول هذه البدائل إلى اللجوء إلى اختيار القوة المسلحة في مواجهة السدود الأثيوبية وهو ما يعني الدخول في حرب مفتوحة مع أثيوبيا بسبب المياه. على أن هذا الاحتمال غير واقعي بسبب المعطيات السائدة في مصر بعد الثورة نظراً لأنه يتطلب المزيد من الموارد ويفقد مصر مكانتها الأخلاقية في المجتمع الدولي. أما البديل الثاني فيذهب إلى إقامة تحالف مصري مع دول النيل الأبيض وهي أوغندة ودولتي السودان وذلك في مواجهة الهيمنة الأثيوبية على النيل الأزرق. غير أن تأثيرات هذا الخيار المصري تفضي إلى حالة من الحرب الباردة بين كل من مصر وأثيوبيا بما يعنيه ذلك من تقويض لدعائم الأمن والاستقرار الإقليمي في المنطقة.
ولعل البديل الثالث يشير إلى التعاون المصري الأثيوبي حيث أن مصر أكثر تقدماً من أثيوبيا وتتمتع بتنوع مصادر اقتصادها الوطني. أما أثيوبيا فلديها إمكانيات هائلة لتخزين المياه من النيل الأزرق وهو ما يعني تعظيم استفادة مصر من هذه المياه. وبمقدور هذا التعاون أن يسهم في سيادة نمط من الشفافية وتبادل المعلومات بين صانعي القرار في كل من مصر وأثيوبيا.
ومع ذلك يظل التحدي الأكبر الذي يواجه السياسة المائية لمصر متمثلاً في الموقف النهائي من اتفاق عنتبي الخاص بمياه النيل. فهل يمكن أن تضحي مصر بحقوقها التاريخية المكتسبة في مياه النيل مقابل تعزيز التعاون الإقليمي بين دول حوض النيل؟ باعتقادي أن الإجابة على ذلك تحتاج إلى حدوث توافق بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية في مصر بعد الثورة.
على الرغم من المؤشرات الايجابية التي ارتبطت بالتحرك المصري الجديد تجاه إفريقيا ودول حوض النيل بشكل خاص فإن عملية إعادة بناء الدور الاستراتيجي لمصر في إفريقيا تحتاج إلى مزيد من الوعي والإرادة السياسية وفترة زمنية ليست بالقصيرة، ويمكن تصور عدد من المداخل التصحيحية لإعادة الاعتبار للوجه الإفريقي المصري ومن ذلك:
أولاً: تأسيس رؤية إستراتيجية جديدة تعتمد على التخطيط السليم واستخدام قوة مصر الناعمة من أجل تحقيق المصالح الحيوية لمصر في إفريقيا على المدى البعيد. وعلى سبيل المثال اتسمت حركة مصر بعد الثورة تجاه بعض دول حوض النيل بالتناقض وغياب الرؤية كما حدث في محاولة منع الكونغو الديمقراطية من التوقيع على اتفاقية عنبيتي لمياه النيل كما فعلت بوروندي. وربما يطرح ذلك بعض الشكوك التي أشارت إلى أن نظام مبارك البائد قد حاول شراء الموقف البوروندي لصالحه، وهو ما يفسر تخلي حكومة بوروندي عن هذا الالتزام بعد سقوط نظام حكم مبارك.
ثانياً: تغيير الصور الذهنية والقوالب الجامدة التي تميز الإدراك المتبادل بين المصري من جهة والأفارقة من جهة أخرى.فقد تم عبر العقود الماضية ترسيخ مجموعة من الصور السلبية عن الإفريقي التي يتم تداولها إعلاميا وفي الممارسات الحياتية اليومية ولو بدون قصد، كما أن هناك صوراً ذهنية سلبية عن المصريين في إفريقيا تساوي بين المصري والعربي الأجنبي أو أنها ترى في مصر دولة مهيمنة تريد أن تنهب ثروات إفريقيا ولا سيما في مياه النيل. وربما يمكن استرجاع أهمية المدخل الثقافي والإعلامي في تأسيس العلاقات المصرية الإفريقية خلال الفترة الناصرية، وهو ما يمكن البناء عليه والاستفادة منه في التوجه المصري الجديد صوب إفريقيا.
ثالثا: تأسيس شراكة إستراتيجية بين مصر وإفريقيا. إذ يلاحظ أن القوى الدولية الصاعدة في النظام الدولي مثل الصين والهند والبرازيل وحتى الدول الإقليمية الكبرى مثل تركيا وإيران وإسرائيل تتدافع جميعها على إفريقيا وتؤسس لعلاقات إستراتيجية كبرى مع الدول الإفريقية. وقد غابت مصر أو بالأحرى غيبت عن هذه التفاعلات الدولية في إفريقيا بحيث أصبح دورها هامشيا. ولا شك أن مصر تمتلك مخزونا تاريخيا وحضاريا يضيف إلى أدوات قوتها الناعمة خصوصية تفتقدها الأطراف الدولية الأخرى. وعليه فإن على مصر في هذه المرحلة التأسيسية أن تدخل في حوار إستراتيجي مع القوى والتكتلات الإقليمية الكبرى في إفريقيا وربما يكون من الأنسب أن يتم ذلك الحوار عبر بوابة السودان بشطريه الشمالي والجنوبي. فالسودان لمصر هو العضد والسند، كما أن مصر للسودان هي الناصر و المعين.
رابعا: تحقيق الأمن الغذائي وتأمين مياه النيل. من المعلوم أن سلاح الغذاء يمثل أحد أدوات الحرب الاقتصادية, وهو يمثل أداة للضغط والإذلال في الدول المستوردة للغذاء. ومن ثم لا يمكن لمصر القيام بدور فاعل إقليميا دون تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء و لو عن طريق السودان الذي تمتلك مساحات شاسعة قابلة للاستزراع. وعليه فإن الاتفاق المصري السوداني على زراعة نحو (150ألف) فدان من الأراضي السودانية قمحا بالتعاون مع البرازيل يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح. و يبقى بعد ذلك ضرورة التفاوض من أجل استئناف العمل في مشروع قناة جونقلي السودانية التي يمكن في حال إنهائها أن توفر لمصر نحو خمسة مليار متر مكعب من المياه سنويا, وعلى أية حال فإن قضية المياه والغذاء تعد ذات أهمية محورية في تحقيق الأمن القومي المصري
الخاتمة
إن على مصر الثورة أن تؤسس لمرحلة جديدة تعتمد من الناحية الإستراتيجية على التوجه جنوباً نحو إفريقيا. ويمكن في هذا السياق التمييز بين دوائر فرعية أربعة للحركة المصرية. أولها تشمل السودان بدولتيه وهو ما يعني إعادة طرح مشروع التعاون الاستراتيجي بين مصر والسودان من منظور جديد لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية المشتركة. أما الدائرة الفرعية الثانية فإنها تشمل دول منظومة حوض النيل بما يعني ضرورة تحقيق التعاون المشترك لضمان مصالح مصر المائية. وتشمل الدائرة الثالثة الفرعية الكتلة الإسلامية الضخمة في غرب إفريقيا حيث تمتلك مصر رصيداً تاريخياً وثقافياً رصيناً مع دول هذه المجموعة، وهو ما يعني إمكانية الاستفادة منه لتحقيق آفاق جديدة للتعاون المشترك. ومن جهة أخرى لا يمكن تجاهل وجود قوى إقليمية صاعدة في إفريقيا مثل أثيوبيا وغانا ونيجيريا وجنوب إفريقيا وهو ما يشكل دائرة فرعية رابعة للحركة المصرية تجاه إفريقيا.
ويمكن لمصر الجديدة أن تعتمد في تنفيذ هذا التوجه الجنوبي على أدوات قوتها الناعمة المتعددة، فهي تملك قدرات وخبرات بشرية هائلة، كما أن مؤسساتها التعليمية والدينية مثل الأزهر الشريف والكنيسة القبطية يمكن لها أن تكون عوناً وسنداً على تحقيق هذه الرؤية الإستراتيجية الجديدة تجاه إفريقيا. بيد أن ذلك كله يقتضي ضرورة تغيير المناهج والسياسات السائدة التي ثبت فشلها، فضلاً عن أهمية إعادة تأهيل العناصر والكوادر البشرية اللازمة لقيادة التوجه المصري الجديد صوب إفريقيا. هذا هو التحدي!
_______________
أستاذ العلوم السياسية بجامعتى القاهرة وزايد ومتخصص في الشأن الإفريقي.
المراجع:
1. Mahmood Mamdani ,An African reflection on Tahrir Square, a keynote speech at the Annual Research Conference on ‘Social justice: theory, research and practice’, at the American University of Cairo, Cairo, 5 May 2011.
2. Korwa Adar and Nicasius Check(eds.), Cooperation Diplomacy, Regional Stability and National Interests: The Nile River and Riparian States., Pretoria: Africa Institute of South Africa, 2011.
3. Keffyalew Gebremedhin, What should Ethiopians expect from Meles's two-day visit to Cairo? September 16th, 2011. At: http://www.abugidainfo.com/?p=18838.
4. أيمن محمد عبدالقادر، نحو إستراتيجية إعلامية مصرية سودانية لإدارة الأزمات الإفريقية، ورقة مقدمة لمؤتمر العلاقات المصرية السودانية عبر العصور،جامعة القاهرة: معهد البحوث والدراسات الإفريقية،18-19 مايو 2009. ص 10.
5. محمد نظمى الزياتى، الدبلوماسية الشعبية ودورها في إعادة إحياء دور مصر التاريخي ،وردت في:
http:// w w w .sis.gov.eg/Ar/LastPage.aspx?Category_ID=1736